قلوب بلون الزمرد
أعطر التحيات ..
.. وأرق البسمـات ..
.. وأروع الكلمـات ..
.. وأجمـل الأمنيـات ..
.. وأغلى الهمسـات ..
وندعوك لقضـاء أحلى الأوقـات
في أعذب وأرقى المنتديـات
ننتظر عطر اقلامك ؛؛
* و رسم احساسك *
.. وبديع فنونك..
بـوح قــلــمــك..
وجــمــيــل عــبــاراتــك....

ادارة المنتدى



قال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالأستغفار. اللهم رقق قلبي وأملأه بالرحمة والخوف والخشية منك يا ذا الجلال والإكرام.
 
الرئيسيةالبوابةالمنشوراتالتسجيلدخول
منتديات قلوب بلون الزمرد ترحب بكم

شاطر | 
 

 اكتبوا على قبري «عاش كذا سنة ولم ينَم إلا ليلة واحدة»

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
اشرف عبدالمنعم
Director
Director
avatar

ذكر عدد المساهمات : 3338
النجمه : 45243
المستوى : 26
تاريخ التسجيل : 12/11/2011
البلد : القاهره
الحاله المزاجيه الان : هادى

مُساهمةموضوع: اكتبوا على قبري «عاش كذا سنة ولم ينَم إلا ليلة واحدة»   الخميس نوفمبر 20, 2014 1:34 pm

[size=30]أنيس منصور: اكتبوا على قبري «عاش كذا سنة ولم ينَم إلا ليلة واحدة»[/size]

خاص التحرير11/20/2014 10:17:45






الدكتور مجدى العفيفى
كان أنيس منصور ينادى ربه نداء خفيًّا.. وقد وهَنَ العظم منه أيضًا واشتعل الرأس شيبًا.. لكنه كان بدعاء ربه شقيًّا فى الفكر والقلم والعقل والقلب.. كان يتأوَّه.. ويتوجع:

يا رب.. أنا تعبت، وجلالك وعظمتك وحكمتك وأبهتك، تعبت، على يمينى عشرون مذهبا فى الفلسفة، وعلى يسارى عشرون مذهبا فى الدين، وورائى حروب الصليب والهلال.. تعبت. يا رب أريد أن أهتدى إليك.. بك إليك..

يا رب.. أريد أن أصلب طولى بالعقل، وأدفئ نفسى بالقلب، تعبت.. تحيرت.. دخت بين الفلسفة والدين والعلم. يا رب ساعدنى بعض الطريق.. فأنت كل الطريق، إلى بعض اليقين والعدل والحق والجمال والجلال.

يارب..   اعذرني.. اغفر لي.. سامحني.. إنما أردت أن أتسلل إلى ملكوتك، أتلمَّس.. أتحسَّس.. أتواجد.. تعبت ذهابًا إليك وإيابًا بعيدًا عنك.

يا رب..  إذا كان هذا قضاؤك وقدرى فأين لطفك، وإذا كان هذا عذابى فأين رحمتك؟

لم أتألم فى حياتى مثلما كنت أتألم وأنا أسترِق السمع والنظر إلى أستاذى العزيز أنيس منصور.. كانت الدمعة فى عينىَّ حائرة.. فلا هى بالتى تسقط، ولا هى بالتى ترجع!

الموت يجىء فى خطاب مغلق.. والحياة كوبرى تعبر عليه إلى الناحية الأخرى

[rtl]
 
[/rtl]
ذات ليلة طلبنى أنيس منصور بعد منتصف الليل، سارعت إليه من مصر الجديدة إلى بيته فى شارع البحر الأعظم بالجيزة.. تحدث إلىَّ بضع كلمات وكنت أعينه على الكلام بشربة ماء، كان يتجرعها بكفاح ومجاهدة!!
بعد عشر دقائق فاجأنى بقوله هامسًا خافتًا:
اتركنى الآن.. أريد أن أبكى..
غادرت غرفته وصوت دموعه يهدر فى أذنى ووجدانى وكل كيانى..
خصوصا أنه كان وحيدًا لا يقدر على شىء.. إلا أن يدق الجرس فى يده، وكان الوسيلة اليتيمة للاتصال بالخدم.
فى مقابل غرفته تمكث حرمه السيدة رجاء حجاج، أسيرة المرض العنيد المقعد، وفى يدها أيضًا جرسها.
الاثنان.. كل فى غرفته.. أسيرًا.. وحيدًا.. عاجزًا.. إلا عن الحب والمودة والرحمة والذكريات صدى السنين الحاكى.
تأتى المفارقة أن هذا البيت هو الذى شهد لقاءات وحوارات وشخصيات ومشاهير وحركة لم تكن تعرف الهدوء، ولا تعترف.. ولا ينبغى.. كل رجال السياسة والصحافة والثقافة والدولة والفن والأدب والمجتمع.
بهذه الكلمات يكتب الدكتور مجدى العفيفى هذا الفصل مع أنيس منصور من كتابه «مع أنيس منصور فى الـ200 يوم الأخيرة»، وقد اختص به «التحرير» حصريًّا قبل صدوره قريبًا.
وهذا الفصل له وضعية خاصة، إذ يروى ويسرد حالة أنيس منصور فى اللحظات الحرجة بين الحياة والموت.

الدنيا..

[size][rtl]
 
[/rtl][/size]
■ ما الذى تراه فى الدنيا حولك يا أستاذ؟
- إنها القسوة فى كل عين، فى كل كلمة لمسة، فى كل وعد، وفى كل وعيد. لقد أصبحت الدنيا غابة من الأسمنت المسلح، وأصبحت أنياب الناس مسدسات، وكلماتها مفرقعات، وأفكارها عصابات، والحب حرب، والحرب حب، والدنيا آخرة.
■ ما الذى يريده الناس من الناس يا أستاذ؟
- لا شىء إلا أن يموتوا.
■ ولماذا لا يريد الناس أن يعيشوا وأن يتركوا غيرهم يعيش يا أستاذ؟
- لأن هناك ضيقا. فكل إنسان يضيق بغيره، ويرى الدنيا لا تتسع لهما معًا، ثم يضيق بنفسه، ولذلك فالناس ينتحرون، أو هم يقتلون الآخرين ليموتوا هم أيضًا.

لا شىء خرجت به من هذه الدنيا ولا يصح أن يأخذ الإنسان شيئًا معه

[size][rtl]
 

[/rtl][/size]
■ سألته: ما الذى خرجت به من هذه الدنيا يا أستاذ؟!
- كأنه انتبه فقال: صحيح ما الذى يمكن أن يخرج به الإنسان من هذه الدنيا.. والجواب: لا شىء، لأنك إذا قلت إنك «خرجت» من هذه الدنيا بشىء فأنت لا تعرف ماذا تقول، لأنه لا أحد يخرج منها بشىء، فالذى يموت لا يترك شيئا لأحد، لأنه بعد وفاة الإنسان لا أحد، فكل الناس بعده لا شىء أيضا، وإنما الذى يحدث هو أن الإنسان كما دخل الدنيا سوف يخرج منها، كان وزنه ستة أرطال وسوف يخرج منها ووزنه ستون رطلا، دخلها سليمًا وخرج منها مريضا.
أو تقول لنفسك: كل هذا التعب والعذاب فى الدنيا والنتيجة ماذا؟ لا شىء، فأنت قاتلت، وحاربت، وصارعت، وناقشت، ومرضت، وسهرت، وأكلت، وشربت، وكسبت، وخسرت، وكفرت، وآمنت، ودق قلبك طالعًا نازلا، ثم ضاقَ صدرك، والتوت أمعاؤك، واحترقت معدتك، وزاغت عينك، وانشطر رأسك، وحارت قدماك فى كل أرض، وامتدت يدك إلى كل الكتب والعقاقير.. والنتيجة ماذا؟ لا شىء، فما الذى يمكن أن يخرج به الإنسان من دنياه؟!
وقد تقول إن الإنسان لا يصح أن يأخذ من هذه الحياة شيئا، لأن الحياة لا شىء. إن الحياة كوبرى تعبر عليه إلى الناحية الأخرى، والطريق طويل، ولذلك يجب أن يكون الإنسان خفيفا حتى يكون عبوره سهلا. وكل الذى قدمناه وعملناه فى هذه الناحية سوف نحاسب عليه فى الناحية الأخرى إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر، وهذه الناحية عابرة والناحية الأخرى أبدية، وكل شىء هنا من أجل هناك، وليس الجسم إلا ثوبا يتسلمه جديدا، ويتركه باليًا قديمًا، والموت هو أن يسقط هذا الثوب عنا. فالدنيا إذن مستشفى دخلنا فيه مرضى، وأما العلاج ففى الناحية الأخرى!
ومن كلماته الأخيرة: إذا قررت وضع لافتة على قبرى فلن أكتب إلا هذه العبارة عاش كذا سنة ولم ينم إلا ليلة واحدة.

ما قُبيل الموت..

 

ظهرت كتب كثيرة تتحدث عن الموتى وآخر كلماتهم، وكيف أن عددا منهم قد أغاظه الموت، فسخر منه حتى النهاية، ومن فترة صدر كتاب بعنوان «كيف ماتوا.. آخر أيام وكلمات وعذاب ومقابر 300 من المشاهير فى التاريخ»، من تأليف نورمان دونالدسون وزوجته بيتى، ولكن أناسا كانوا أكثر حظا من الحياة، فقد أعطاهم الموت آخر فرصة ليقولوا كلمة واحدة.. فكانت كلمتهم مريرة. فقد أحسوا أنهم خُدعوا، وفوجئوا بأنهم انتهوا، وانكشفوا، فقد توهموا أنهم لن يموتوا، وانكشف الموت الذى خدعهم بما فى الحياة من جمال ودلال، حتى أنساهم أن للحياة نهاية.
والموت ليس إلا سيفًا على رقاب العباد، وأمامه وقبله وبعده غيابات من علامات الاستفهام والتعجب، وإذا كنت لم تعرف ما الحياة، فكيف تعرف ما الموت، فما هو حقا؟.
إنه عربة تقف عند كل باب! إنه يصحح كل الأخطاء ويجفف كل الدموع.
إنه سكين على رقاب العباد. إنه نقطة فى نهاية كل سطر!
إذا كانت الشيخوخة هى الانسحاب الهادئ من الحياة، فالموت نهاية الانسحاب!
إنه الوجه القبيح للحياة الذى أخفته يد القدر، وقد نجحت فى ذلك كثيرًا.
قليلون جدا: أصدقاء الموتى!
أن أموت فهذا شىء لا يخيف، ولكن أن أموت عارًا فهذا هو المخيف!
إذا متُّ أنا، ماتت الدنيا كلها، لأنها من صنعي!
هؤلاء العظماء كالأشجار، يموتون واقفين، وإذا ماتوا جاء موتهم عند قمتهم!
أن تموت أسدًا، خير من أن تعيش كلبًا!
لم يعد مدينًا لأحد: لقد دفع الموت الحساب!
يهدأ العام القادم من يمت هذا العام!
الموت هنا. الموت هناك: الموت مشغول بالحياة فى كل مكان! كل مكان: مقبرة.. كل زى: كفن.. كل بداية: نهاية.. كل حى: ميت!
الموت يجىء حتى للتماثيل وللأسماء المنقوشة عليها!
طريقنا إلى الأغلبية الصامتة: الموت!
الحياة سباق بيننا.. الحياة قتال بيننا.. الموت راحة من كل ذلك!
الموت يفتح باب النسيان، الموت يغلق باب الأمل.
عندما نولد فجميعنا يبكى.. وعندما نموت فبعضهم يبكى!
لا يوجد إنسان لا يَشعُر بعض الناس بسعادة لوفاته!
إذا لم تعرف كيف تموت فلا تقلق، فسوف تعلمك الأيام ذلك!
أكثر الناس يموتون بمساعدة عدد كبير من الأطباء!
يكلفك كثيرًا أن تموت هادئًا، يكلفك قليلا أن تموت معذبا!
كل المآسى تنتهى بالموت.. كل المهازل تنتهى بالزواج!
من عيوب الموت أن يحرمك من أن ترى حماتك تتعذب!
لا يوجد رجل واحد لا يسعده أن يموت على جثة حماته!
عندما يموت الرجل فآخر شىء يتحرك فيه: قلبه.. عندما تموت المرأة فآخر شىء يتحرك فيها: لسانها!
لا أحب أن أرى أحدًا يموت، لكن صدقنى لقد أسعدنى أن أقرأ أخبار الوفيات!
يا رب.. إذا كان هذا قضاءك وقدرى فأين لطفك؟ وإذا كان هذا عذابى فأين رحمتك؟
إذا قررت وضع لافتة على قبرى فلن أكتب إلا هذه العبارة: «عاش كذا سنة ولم ينَم إلا ليلة واحدة»

الموت...

 

كانت مفردة الموت، بكل تجلياتها وتداعياتها هى القاسم المشترك فى أحاديث أنيس منصور، لا سيما بعد عودته من رحلة العلاج بباريس، وأشار إلى أنه ينتظر لحظة التنوير الأخيرة، وهى الحقيقة المؤكدة بعيدا عن كل الاحتمالات.
أسمعه هامسًا: الحديث النبوى الشريف يقول: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، أى عرفوا قبل الموت ما لم يكن يعرفونه.. رأوا الدنيا.. رأوا الناس.. رأوا الحقيقة.. عرفوا أن كل شىء له نهاية.. وأن النهاية: جسد انتهى وروح خرجت.. ولا يبقى إلا وجه الله. وجاءت للموتى على فراشهم عبارات عجيبة.. ورأى الناس على وجوههم راحة الذى صفى حسابه، ووضع النقطة الأخيرة فى سطور حياته، وأغلق دفاتره واتجه إلى حيث لا يعرف، ولم يكن يعرف، أو كان يعرف ولكنه حاول دائما أن ينسى، والآن جاء دوره لكى يتذكر ولآخر مرة.

الموت هو الحالة المستحيلة

 

الموت هو الحالة التى يصبح فيها كل شىء مستحيلا، النظر مستحيل، والسمع مستحيل، والتنفس مستحيل، ثم لا يكون زمن، ولا يكون يوم ولا غد ولا أمس، وكلما ازدادت المستحيلات فى حياة إنسان ازداد اقترابه من الموت.
وكان العقاد يقول: اقترب اللقاء.. اقترب اللقاء. ويسكت، فكنا نسأله: مع من يا أستاذ؟ فيقول: مع الله!
وكان طه حسين يسرف فى الكلام عن الموت. ويتمثل قول الشاعر:
كل ابن أنثى وإن طال الزمانُ به .. يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ
ومن أقوال توفيق الحكيم: إذا قابلت ربنا فسوف أقول له: كان عندى سؤال أما اليوم فعندى سؤالان.. وأنا أردت أن أطيل اللقاء دقيقة أو دقيقتين. فإذا رفض الله لقائى فسوف أتخيل كيف يكون اللقاء!

الشمس لا تزال أجمل فتاة فى عالمنا

 

ذات يوم طاردت أنيس منصور فكرة الموت بشكل غير مسبوق، إذ كان على موعد مع غروب الشمس فى الإسكندرية.. وهو حريص على المواعيد.. والشمس لا تزال أجمل فتاة فى عالمنا.. إنها حواء الأولى.. إنها مصدر حياة كل حواء وكل آدم.. وكل حواء فى النبات والحيوان.. إنها أول كل شىء فى عالمنا الصغير.. وانطلق من القاهرة على عجلات سرعتها مئة كيلومتر.. وبدأ السير بهمة وحماسة، وأعراض ملل، وأعراض خوف، ولكن حاول أن ينسى هذا كله والتف إلى الطريق أمامه.. وإلى جواره جلس صديق هادئ لا يتحدث إلا قليلا.. وفى المقعد الخلفى جلس صديقان.. أحدهما يدخن صامتا والآخر ينام كطفل بلا هموم ولا متاعب.. وهكذا بدأت رحلتهم هادئة سريعة. يكمل أنيس منصور الرواية: فجأة قفزت إلى رأسى فكرة سخيفة.. فكرة مؤلمة.. الفكرة هى: أن قلبى «حاسس» أننى سأموت فى هذا الطريق! وأخذت الفكرة تقوى وتقوى.. ولم يحدث لى هذا أبدا.. وقلت لعل رادار القلب قد أحس بشبح الموت وهو على بعد دقائق أو أميال منى.. هل أرجع؟ أرجع إلى أين؟ لا هرب من الموت!! هل أعود بهؤلاء الأصدقاء الذين بدؤوا يضحكون كأنهم يعرفون ما يدور بخاطرى؟!

كيف طاردت فكرة الموت أنيس منصور مع غروب الشمس فى الإسكندرية؟

 

وتساءلت: ولماذا جاءت هذه الفكرة؟ ومن أين؟ هل أنا متعب، إننى فعلا لم أنم ليلة أمس، هل أنا كاره لهذه الرحلة؟ فعلا أنا أكره قيادة سيارتى مهما كانت المسافة، وكأنى أقاوم هذا كله، بدأت أعتدل فى جلستى وأتنفس بهدوء، حتى يبقى القلب نشيطًا يدق، ومددت يدى إلى الراديو ففتحته لأرفع روحى المعنوية، واعتدلت مرة أخرى فى جلستى وقلت: إن هذا التفكير فى الموت هو وحده الذى سيجعلنى أموت، هو وحده الذى سيشغلنى عن القيادة فأصطدم بأى سيارة، ولذلك يجب أن أطرد هذا التفكير، وكأننى أحسست أننى لم أحقق كل شىء فى نفسى، قلت: عندما أصل إلى الإسكندرية سأنزل البحر، إننى لم أنزل بحرًا فى حياتى، إن مياه كابرى لم توقعنى فى غرامها، ولا أمواج دوفيل، ولا فتيات كان ونيس.
وعلى الكورنيش أحسست بشىء غريب، أحسست أن الهواء يفصل لى ملابس كلها من قماش مبلل، وأن الهواء كأى ترزى يستخدم الدبابيس لتظل الملابس على جسدى، فهو يضع الدبابيس فى كتفى وفى جنبى وفى ظهرى وفى صدرى، وظللت أنا أتكرمش وأتقلص حتى صغر حجمى، وتعبت من الطريق ومن الهواء وذهبت إلى غرفتى لأستريح، لأستريح من الفكرة التى طاردتنى، وعندما وضعت رأسى على «المخدة»، تنبهت إلى أننى طردت فكرة الموت بالاستسلام له، أليس النوم موتًا صغيرًا.
الموت ليس تجربة، لو كان الإنسان يموت أكثر من مرة لأصبح الموت تجربة. وأرى كل يوم هذه التجربة بصورة أخرى، ففى البيت الذى أسكنه، يعيش تحت السلم رجل عجوز لا يعرف أحد من أين جاء، ولا كم سنة، ولا ماذا كان يعمل!

نصف نائم نصف ميت

 

ولا أعرف لماذا كلما رأيت هذا الرجل أتصور مدرسا وقف فى الفصل وفى يده كشف بأسماء الطلبة، وكلما نادى على اسم لم يسمع ردًّا، إن الفصل كله لم يحضر، ولكنه يسمع صوتًا، وهذا الصوت يدل على أن هناك شبحًا فى الفصل.. وهذا الرجل يشبه هذا الفصل، فكل عضو من أعضائه غائب.. العين غابت، والأذن غير موجودة، والذراعان والساقان، كل شىء فيه غائب، كل ليلة أراه وأسمعه، وبين الحين والحين أسمعه يطلق أصواتًا غريبة. أما طريقى إلى السلم فهو محفوف بالصفائح القديمة والأقفاص الفارغة، والرجل مشغول بأشياء غريبة.
وفى بعض الأحيان أعود إلى البيت فأجد الباب الخارجى مربوطا بالحبال، وأستعين بأحد العمال الواقفين أمام الباب ونمزق الحبال بالسكاكين، وأدخل فأجد الرجل مشغولا بتفريغ الصفائح، وليست الصفائح إلا ترابًا، وفى التراب ملاليم وقروش. وأحيانا أجد الرجل وقد تمدد على السلم نصف نائم، ونصف ميت، ونصف إنسان.. إنه شىء بغير حياة، وتعودت أن أضع فى جيبى علبة من الكبريت لكى أضىء طريقى؛ حتى لا أدوس عليه فأعجل بموته، وأتحول إلى قاتل فى لحظات.

كل ليلة أرى رجل ميت وتحول إلى تراب

 

كل ليلة أرى هذا الرجل، كل ليلة أرى رجلا يموت، رجلا قد تحول إلى تراب. إن هذا الرجل ميت فعلا؛ لأن الموت ما معناه؟ الموت هو الحالة التى يصبح فيها كل شىء مستحيلا، النظر مستحيل، والسمع مستحيل، والتنفس مستحيل، ثم لا يكون زمن، ولا يكون يوم ولا غد ولا أمس. وكلما ازدادت المستحيلات فى حياة إنسان ازداد اقترابه من الموت. إنه لا يتكلم ولا يدرى بأحد، إنه يدب على الأرض، ويدب فى الحياة، إنه يطردنى من الحاضر ويرمينى فى جحيم الماضى، إن هذا الرجل هو المستحيل نفسه، عاجز عن أى شىء.. إلا تعذيبى! أدعو الله أن يريح هذا الرجل؛ لكى أستريح!
كنت أصرخ وأبكى وأقول بصوت مذبوح: والله يا دكتور أعفنى من حياتى كلها.. أعفنى من مشكلاتى وعذابى.. إننى أحمل الكثير على كتفى.. أرحنى يا دكتور.. هذه فرصة انتظرتها طويلا.. اجعلنى أنام هكذا يومًا أو شهرًا أو سنة.. أو اتركنى أنام إلى الأبد.
وكنت أرفع رأسى والضوء يتدفق ساخنًا كاويًا.. فلا أرى إلا أربعة من الممرضين، ومنضدة طويلة تلمع بالسكاكين والمشارط والمناشير وكل أدوات القتل والتعذيب.. وكنت أرى وجه الطبيب، إنه صديقى الدكتور.. إننى لم أعد أرى فيه وجه الصديق.. إنه وجه جاد.. قاس لا يعرفنى ولا ينظر إلىَّ.. ولا ينطق إلا بعبارة واحدة هى: يا أخى إنها شكة إبرة! شكة إبرة!

أنيس: أعفنى من حياتى كلها يا دكتور

 

وسقط رأسى من كتفى إلى المنضدة التى تمددت عليها، وعدت أقول: أعطنى حقنة بنج أخرى.. ماذا تفعل أيها الطبيب؟ أنت تنتزع أحد أظافرى من أحد أصابعى.. ليس هذا هو الظفر الوحيد فى جسمى.. انزع كل أظافرى.
هناك أظافر أخرى فى حياتى.. وكلها توجعنى.. فى عينى وفى يدى وفى رأسى. وكان الطبيب يضحك والممرضون يضحكون، وأسمع أصواتًا تشبه الكلام.. ولكننى غارق فى ألم وعرق وخوف ويأس.
وعدت أقول للطبيب: أعفنى من حياتى كلها يا دكتور.. هل تعرف ماذا أعمل.. إننى كعامل التليفون.. إننى أرد على مئات النداءات.. مئات المتاعب.. كلها تتزاحم على رأسى فى آن واحد.. تصور يا دكتور هذا يحدث كل يوم.. أعفنى من هذه المكالمات.. حطم هذه الأجراس التى ترن وتئن.. اقطع الحرارة. اقطع النور.. اقطع الماء.. اقطع أظافرى وأصابعى وحياتى كلها.

كلهم يتزاحمن في أصبعي

 

لا أدرى كم من الوقت مضى وأنا أصرخ ولا أدرى ما أقول.. ولا كيف عدت إلى بيتى. ولكن بعد ساعتين تماما دبت الحياة فى إصبعى.. تفجر الدم.. والألم.. والدموع وأحسست بالمشارط والسكاكين والطبيب والممرضين، كلهم يتزاحمون فى إصبعى ووراءهم وأمامهم ملايين من النمل والنحل!! وظللت أرميهم جميعا بأقراص مسكنة.. واختفى الطبيب والممرضات، وذابت المشارط والسكاكين، ولم يبقَ إلا النمل والنحل. ظللت ساهرا معها حتى الصباح. إنها شكة إبرة!!

الفراق..
يتأوَّه أنيس منصور متعبدًا:

يا رب..

 

أنا تعبت، وجلالك وعظمتك وحكمتك وأبهتك، تعبت، على يمينى عشرون مذهبا فى الفلسفة، وعلى يسارى عشرون مذهبا فى الدين، وورائى حروب الصليب والهلال.. تعبت. يا رب أريد أن أهتدى إليك.. بك إليك.. بنورك على ظلام نفسى.. على كهوفها وسراديبها وغياهبها، تعبت يا رب.. فأنا ضعيف وطاقتى محدودة، وأحلامى وأوهامى أكبر من قدرتى، أريد أن أطير، ولكن ريشى قصير ووزنى ثقيل، ومعاناتى هزيلة، ومجاهداتى كليلة، ولا حيلة لى، فلا حيلة للعين أن ترى والأذن أن تسمع، واليد أن تلمس، والقلب أن يخفق، وعقلى أن يفكر، فعذاب الفكر قدرى.

يا رب..

 

أنظر من نفسى فلا أرانى ولا أعرفنى، ولا أعرف من ينظر إلى من.. من يسمع من.. من يحاول أن يفهم من.. أنا الوسيلة إليك.. أنا المرصد المتواضع إلى سماواتك وأكوانك وأسرارك.. تعبت وحقك وجلالك. أريد أن أصلب طولى بالعقل، وأدفئ نفسى بالقلب، تعبت.. تحيرت.. دخت بين الفلسفة والدين والعلم. يا رب ساعدنى بعض الطريق.. فأنت كل الطريق، إلى بعض اليقين والعدل والحق والجمال والجلال. اعذرنى.. اغفر لى.. سامحنى.. إنما أردت أن أتسلل إلى ملكوتك، أتلمَّس.. أتحسَّس.. أتواجد.. يا رب تعبت ذهابًا إليك وإيابًا بعيدًا عنك. يا رب إذا كان هذا قضاؤك وقدرى فأين لطفك، وإذا كان هذا عذابى فأين رحمتك؟

يا رب..

 

أنت تعرف أننى لا أكذب إذا نظرت وتأملت وسمعت، وتأملت وفكرت وتأملت. يا رب إننى فى حضرتك خلية حية صارت ذرة، والذرة صارت هباء. يا رب ارحمنى منى.. وحقك وجلالك وحكمتك وعظمتك.. تعبت، فقدرتى وقدرى وحيلتى أن أعرفك بك.. أن أهتدى إليك بك.. ساعدنى!
أنت لا تعرف ربك إلا إذا كنت فى لحظة واحدة باهرة عرفت هذه الحقيقة: أنك قطعت عمرك كله مسحوبًا من عقلك وقلبك وغرائزك، وأنك فى ساقية تدور وتدوخ، وأنك أسلمت نفسك لجلاد هو الليل والنهار.. هو المال والجاه والأولاد واللذة والخوف والطمع واليأس والشك.. وأنه لا وقت عندك لكى تفكر فى شىء تفعله أو سوف تفعله. وأنك لست وحدك كذلك، ولكن كل الملايين من الناس من كل لون وكل زمان وكل مكان وكل دين.. فأنت قرص تليفون فى أصابع لا تهدأ إلا بالموت.. وإلا فى بعض اللحظات عندما تكون قريبًا إلى الله أو إلى الرموز التى توقفك لتعرف من أنت.. ومن هو! إننى لم أقل شيئا، لكنى فقط لم أسكت عن محاولة القول.. إننى لم أختَر أنسَب الكلمات، لكنى أحاول أن أختار أنسب المعانى.

عذرت الذين انفتحت لهم «طاقة القدر» فنسوا أن لهم لسانًا يطلبون به شيئًا من الله

 

إننى الآن فقط عذرت الذين انفتحت لهم «طاقة القدر» فنسوا أن لهم لسانًا يطلبون به شيئًا من الله، وأغلقت «طاقة القدر» فى وجوههم ودونهم، ولم يتحقق لهم شىء، لأنهم لم يطلبوا شيئًا، وكنا ونحن صغار نتواصى بأنه إذا انفتحت لنا «طاقة القدر» طلبنا إلى الله بقلوبنا دون حاجة إلى الشفتين واللسان.
إن قلبى قد امتلأ بالكثير، لكن المشكلة هى: كيف أنقل هذا الكثير فى هذا القليل من الكلمات ومن الحروف؟ كيف أعبئ النور واليقين والرهبة والجلال والجمال والصفاء والبهاء فى هذه الحروف السوداء الصغيرة الملتوية؟ كيف؟ إنه لأمر صعب.. شىء من ذلك، ولكن بلا ألم ولا خوف ولا جوع ولا عطش، ولكن فقط أحسست أننى فى ضوء غامر وفى راحة ساحرة وفى صفاء.

آمين..!

كيف أعبئ النور واليقين والرهبة والجلال والجمال والصفاء والبهاء فى هذه الحروف السوداء الصغيرة الملتوية؟

۞ ق ۞ ل ۞ و ۞ ب ۞ ب ۞ ل ۞ و ۞ ن ۞ ا ۞ ل ۞ ز ۞ م ۞ ر ۞ د ۞






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://help.ahlamontada.com/t1040297-topic#4659596
علاء حمزه

avatar

ذكر عدد المساهمات : 301
النجمه : 2553
المستوى : 7
تاريخ التسجيل : 22/08/2012
البلد : القاهره
الحاله المزاجيه الان : لا يعرفنى الا المقربون

مُساهمةموضوع: رد: اكتبوا على قبري «عاش كذا سنة ولم ينَم إلا ليلة واحدة»   الخميس نوفمبر 20, 2014 2:22 pm

أنيس منصور أكبر كاتب مثقف فى مصر، وكان مهووسا باقتناء الجديد دائما فى عالم الكتب، 


كان يتمتع برؤية ثقافيه، كما كانت له إسهامات أخرى وكان ذواقة للموسيقى والشعر، ولم يكن مجرد كاتب نمطى والسلام

وبرحيل أنيس منصور تخلو مساحة واسعة فى الفكر الإنسانى والمصرى والعربى.

۞ ق ۞ ل ۞ و ۞ ب ۞ ب ۞ ل ۞ و ۞ ن ۞ ا ۞ ل ۞ ز ۞ م ۞ ر ۞ د ۞






   【★】 【★】♥️...¤¸¸.•´¯`•.¸•..>>--»◈¯`•.☆_【★】 【★】♥️
                                       علاء حمزه  
            【★】 【★】♥️...¤¸¸.•´¯`•.¸•..>>--»◈¯`•.☆_【★】 【★】♥️
                                        عائلة الزمرد
               【★】 【★】♥️...¤¸¸.•´¯`•.¸•..>>--»◈¯`•.☆_【★】 【★】♥️
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
اكتبوا على قبري «عاش كذا سنة ولم ينَم إلا ليلة واحدة»
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
قلوب بلون الزمرد :: الفئة الأولى :: منتدى المواضيع العامه الغير متجدده-
انتقل الى: